ابن قيم الجوزية
254
الروح
والعمق ، وكل واحد منهما يجمعهما صفة الحد والنهاية ( وهذا قول طائفة من الثنوية « 1 » يقال لهم المثانية ) . وقالت طائفة : إن النفس موصوفة بما وصفها هؤلاء الذين قدمنا ذكرهم من معنى الحدود والنهايات ، إلا أنها غير مفارقة لغيرها مما لا يجوز أن يكون موصوفا بصفة الحيوان ( وهؤلاء الديصانية ) « 2 » وحكى الحريري عن جعفر بن مبشر أن النفس جوهر ليس هو هذا الجسم وليس بجسم لكنه معنى [ بين ] « 3 » الجوهر والجسم . وقال آخرون : النفس معنى غير الروح ، والروح غير الحياة ، والحياة عنده عرض ( وهو أبو الهذيل ) ، وزعم أنه قد يجوز أن يكون الإنسان في حال نومه مسلوب النفس والروح دون الحياة ، واستشهد على ذلك بقوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها « 4 » . وقال جعفر بن حرب : النفس عرض من الأعراض يوجد في هذا الجسم ، وهو أحد الآلات التي يستعين بها الإنسان على الفعل كالصحة والسلامة وما أشبههما ، وأنها غير موصوفة بشيء من صفات الجواهر والأجسام ، هذا ما حكاه الأشعري . وقالت طائفة : النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفس ، قالوا : والروح عرض وهو الحياة فقط ، وهو غير النفس ، وهذا قول القاضي أبي بكر بن الباقلاني ومن أتبعه من الأشعرية .
--> ( 1 ) يقولون أن النور والظلمة أزليان قديمان ، بخلاف المجوس الذين يقولون بحدوث الظلام وتساويهما في القدم واختلافها في الجوهر والطبع والفعل والخير والمكان والأجناس والأبدان والأرواح . ( 2 ) نسبة إلى ديصان ، وهؤلاء قالوا أن هناك أصلين : النور ويفعل الخير قصدا واختيارا ، والظلام يفعل الشر طبعا واضطرارا ، فما كان من خير ونفع وطيب وحسن فمن النور ، وما كان من شر ونتن وقيح فمن الظلام . وهؤلاء أعطوا للنور صفة الحي القادر العالم الحساس المدرك ، وقالوا أن الحركة والحياة والظلام تكون منه ، وقالوا أن النور جنس واحد كما الظلام جنس واحد . ولهم أقوال كثيرة في هذا ( انظر الملل والنحل 2 / 88 ) . ( 3 ) وردت في المطبوع : باين . ( 4 ) سورة الزمر ، الآية 42 .